السبت، 4 يوليو، 2015

.ܨܓܨ๘彡 وتجرّع مرارة الغربة صبيّا ... 彡๘ܓܨ.ܨ



.ܨܓܨ๘彡 وتجرّع مرارة الغربة صبيّا ... 彡๘ܓܨ.ܨ  

           

    

كبقية أترابه اشرأبت عنقه وسط الضجيج ليسمع صوت المنادي على اسمه من بين اسماء الناجحين المنتقلين من مرحلة التعليم الإبتدائي الى مرحلة التعليم المتوسط.... لكنه وفي قرارة نفسه على يقين من أن اسمه من ضمن الذين سيُنادى عليهم... كيف لا وهو الأول ترتيبا في جميع المواد في فصله مذ درجت أقدامه أول عام دراسي الى السادس الذي هو فيه ..ويُنادى عليه ويعود للدار فرحا مبتهجا .. لينقطع الى نفسه فيقضي الصيف بنهاراته الطويلة ..يرتع ويلعب منفردا في حديقة ملحقة بالدار تسع ألفا من أمثاله رحابة ..مطاردا الفراش مداعبا الطير في وكناتها .مشاكسا حيواناتها ..مثيرا صمتها وهدأتها ..
ليحل الخريف مؤذنا نهاية اللهو والمرح والحبور ..
ذات مساء لم يكن ككل مساء يسترق الطفل عمر السمع ...نبرة أبيه توحي بجِِد كما الجِْد عهده.. يحدث الأم : هيئي ولدك فبعد غد سفر مُنتظر .. ليطير الصبي فرحا بما سمع من خبر .
لكنه لم يكن كأي سفر.. ففي الغد كانت الوالدة قد شرعت ترتب أغراضا تحشوها في حقيبة لم تكن بحجم العُمر بل أكبر ..ماذا يا أماه أين سأذهب ؟
يا بني / في قريتنا لاتوجد مرحلة للتعليم المتوسط ...وأنت ماشاء الله عليك كبرت وصرت رجلا... ولتواصل تعليمك ستنتقل الى أقرب مدينة منا ويفصلنا عنها مئة من الكلمترات ..
لم يحمل الصبي كلام أمه على غير محمل الإستبشار بما هو قادم فينام ليلته سابحا في خيال لاحواجز له ولا ولاشطآن ....
وفي باكر الصباح كان الوالد بقامته الطويلة يمسك بيد ابنه الصغيرة وُجهتهما محطة الحافلات ..
خلال التنقل كان الصبي ينظر من حوله بواسق النخل تعانق حافتي الطريق حينا ...لتخلي سبيله الى القفر والبيد أحيانا ..ساعتان بعدها كان السفر قد أخذ منتهاه لتبتلعهما المدينة في جوف صخبها وضجيجها أخذ من الصبي لبه ....كان يوم قدومهما مثقلا بكثير من الشؤون من أهمها وأولها ترتيب التسجيل والإقامة بالمؤسسة التربوية .وببسيط توجيه وجد الإثنان نفسيهما في بهو إدارة المتوسطة ..ليخبر الأب عونا اداريا هناك مدعاة وجودهما ..يرحب العون ويثبت تسجيل الإبن على قائمة المتمدرسين ..لكن الخبر الذي كان وقعه كالصاعقة على الأب ومفاده أن تلك المتوسطة لاتتوفر على نظام داخلي ..يا رب ..وماذا أفعل أيها السيد سائلا العون ؟
كما فعل غيرك عليك ان تجد من يأوي ولدك فترة دراسته ....خرج الإثنان ...الأب في حيرة عظيمة من أمره ...ماذا سيفعل فهو أمام خيارين أحلاهما مرّ ...العودة بولده أدراجه .لاغيا مواصلة تعليمه ..أو تركه وحيدا وفي رعاية من ؟ أما الصبي فلقد أخذ منه التوجس كل مأخذ ورأسه الصغيرة لم تتسع لكل ذلك الزخم مما دار بين عون الإدارة وأبيه شيء واحد لايفارق تفكيره ...فيبعث في نفسه انقباضا .أنه سوف لن يلتقي زملاءه كما قد علم من قبل تجمعهم غرفة كبيرة ينامون فيها... وقاعة يتناولون فيها وجباتهم اليومية... كل ذلك صار ضربا من التمني ..ووأعود بك أيها القارئ الى الأب المسكين وهواجسه... وقد أثقلت الحيرة قدرته على السير فآثر التوقف في أول مقهى صادفه ..فيطلب كأسا من الحليب كبيرة لصغيره.. فيغرق في حديث مع نفسه يقلب مصابه كل متقلب... باحثا عن مخرج لورطة وجد أنه قد وقع فيها دونما تحسب ...مالذي عليه فعله ؟

 
تذكر... تذكر صديقه الهاشمي الإسكافي أحد معارفه .في هذه المدينة ..فقد يكون عنده من الرأي ولِم لايكون له العون والأزر..استعجل صغيره ليكمل ما تبقى في كوبه .وصوب محل الصديق سارعا الخطى ..ومن بعيد بعيد...وما إن وقعت عين الهاشمي عليهما الا وقد ترك ما في يده ليقف مرحبا مهللا فرحته برؤيتهما ...يتبادل الأب معه التحية والسؤال عن الدنيا وما فيها من أحوال ..لينتهي الأمر الى تناول أمر وجودهما بتلك المدينة ..الأب كان يخاطب الهاشمي فاصحا له عن مأزق هو فيه ..وماآل اليه أمر تمدرس ابنه وكان وهو يحدثه يتوق الى أن يكون تعقيب الهاشمي متضمنا القول.. بانه سيكون سعيدا باستقبال الطفل في حضن اسرته...ولكنه يُصاب بخيبة شديدة ..حينما يعقب الهاشمي بالقول أن زوجته طرحها المرض فراشا .. وكم تعاني ابنته الصغيرة في القيام بشؤونها ..شعر الأب وكأنه يُسحق بين فكّي كماشة ليقوم متثاقلا يجر صغيره بيده نحو وجهة لايعلمها بالكاد يرفع قدما ليضع أخرى من فرط ما اصابه .. لكنه لم يبتعد كثيرا الا وناداه الهاشمي مستوقفه ..هل اتصلت بالشيخ علي ؟
وما إن سمع الأب ذكر الشيخ علي.. الا وعاد اليه بعض من أنفاسه ..ليرد مستبشرا شاكرا ..نعم تذكرته الشيخ علي ..هيا يا بني ..ربنا يغلق بابا ويفتح آخر ..كان الموعد التالي دار صديق قديم إمام مسجد يطلق عليه جامع حارة الواد لقربه من مجراه ...
دق الأب الباب ولسانه يلهج داعيا الله أن يفرج كربه ويجعل لما هو فيه من ضيق متنفسا ..
يخرج الشيخ علي مستقبلا مرحبا فرحا بقدوم زائره ..داعيا اياه ولوج الدار ..مستضيفه مرحبا وقهوة قد أوعز لإمرأته تحضيرها ..ولم يطل بالأب مشوار تبادل التحايا ليخبره أنه اسقِط في يده ولايدري ما يفعل بخصوص ابنه ..ليرد الشيخ علي .بالقول ..أبشر يا رجل ..وطب نفسا فإنه عندي ما يشغلك الحلّ الأمثل ثم يغادر الجميع الدار والأب لايدري ما ذهب اليه الشيخ مقصدا ..فلم يشأ طرح السؤال وكيفما سيكون عليه الحال فما عليه غير الإنصياع والإتباع وكيف له غيره ...وقد سُدّت في وجهه كل الأبواب ...الشيخ علي يسير ومن خلفه الأب وصغيره يتبعان لم يطل المشوار فلم يبتعد بهما كثيرا ليجدا أنفسهما يدخلان المسجد يعبران ساحته ...فينتهي بهما الخطو الى غرفة في طرفه ..فيخرج الشيخ مفتاحا من جيبه يفتح الباب محدثا الأب ..قائلا : لن يجد الصبي.. أفضل موضع يقيم فيه غير هذه الغرفة حيث سينعم بالهدوء بعيدا عن الصخب والضجيج ..رأى الصبي في وجه أبيه وُجوما لم يعهده.. دونما أن ينبس ببنت شفه ...أما صغيرنا عمر فإنه فلم يسعفه سنه لصغره أن يجمع بين ما يعايشه من لحظات تشبعت واجتمع فيها ثقل الزمان والمكان ..شوقه لأمه كان أعظم ما ينال منه ..وإنه لكاتم ذلك .لحظات قصيرة استعاد فيها وجه أمه وهي كما عهده بها تستقبله مستبشرة حال عودته من المدرسة... أو حينما كانت تعينه على ما استعصى عليه حين ارتداء ملابسه ...وحين تنحني عليه بقبلة مودعة حينما يعانق أجفانه النوم ..كل ذلك يستعيده في تلك اللحظات القصيرة ..ولم يقطع استغراقه سوى صوت إمام المسجد صائحا ..هيا يا عمر أدخل ..البيت بيتك ...تردد قليلا وكانت يد الأب تعينه على قهر تردده فيلج الغرفة ..محدقا من حواليه ..متفحصا والدهشة تأخذه كل مأخذ.. لحد لم يعد معه قادرا على فهم ما لم يتوقف الشيخ علي إمام المسجد من أشادة بهدوء المكان وأمنه ولِم لا جماله وروعته ...أصيب الصغير بالذهول وهو يرى العناكب تملأ زوايا الجدران لتطال خلاياها لكثرتها أعلي خزانتين ...لابل شكلت بما يشبه الجسر بينها ...وطاولات عليها أكداس من كتب من غير تنضيد ...علتها طبقة كثيفة من الغبار ...لتصير للأتربة أقرب ..لاشك أن مصدرها ذلك السقف المصنوع من أعمدة النخل وجريده مما يسمح بتسرب أتربة كانت طينا يغطيه
.
وفي إحدى زوايا الغرفة شبه سرير... لايكاد الناظر اليه يميز بينه وبين ما عليه من مِطرف وحشيّة..لما وقع عليهما من أتربة ..كان الصغير غارقا في ذهوله وسط ذلك المشهد الذي يشبه الى حد صارخ مشاهد من أفلام الرعب لهيتش كوك...ولم يكن منتبها الى أن الشيخ علي قد غادر ولم يخرجه مما فيه الا وصوت الأب يناديه ..عمر بني هيا لنرتب المكان ونعيد له شيئا من الحياة .. كان الأمر ليس بالسهل .ولكن الإثنين بعد جهد ومشقة ...صار الوضع يقترب من القبول ..هاهو الشيخ الإمام ينادي ملفتا الإنتباه بأنه أحضر طعام الغداء ليتركهما بعدها لشأنهما ..غداء عقبته قيلولة قصيرة فصلاة الظهر ومن ثمة الخروج للتوجه الى ترتيبات أخرى عليهما الإنتهاء منها قبل حلول ظلام... ليلة قد تكون الأخيرة رفقة الأب بالنسبة لعمر الصغير ...غادر الإثنان الغرفة ليقوم الأب بتحميل الصغير مهمة غلق بابها بالمفتاح كإجراء تدريبي.. بعد لأي يتمكن الطفل من احكام اغلاقه ..وكانت الخطوة الأولى بعد خروجهما هو التعريح على أقرب مقهى من ذلك المسجد ..يتبادل الأب مع صاحبه حديثا ..لم يبلغ بعضه فهم الصبي.. الا اشارة بالأصبع له فهم منها أنه يعرفه به ..ثم يتواصل مشوارهما وجهة الصديق الهاشمي ليسرد له الأب ماانتهى اليه أمر الصغير بخصوص اقامته ..الوقت يداهم وأمور أخرى تنتظر يستعجل الأب وداع الهاشمي ..وداعا ينبئ أنه لن يراه في وقت قريب ...هيا ياصغيري الكثير ينتظرنا وعلينا انهاؤه قبل حلول الظلام ...
 
..
 
الجزء 2
..



ويجره الأب من يده صائحا :.هيا ياصغيري الكثير ينتظرنا وعلينا انهاؤه قبل حلول الظلام ...يعرج الأب على دكاكين مختلفة في عروض سلعها ..فيقتني ما تطاله يده من فواكه وانواعا مختلفه من البسكويت والأجبان التي يطول الإحتفاظ بها كذا معلبات السردين والتونة ..وكأنه موجه لحاجة شخص يقضي رحلة في أعالي الجبال ...هكذا كان الصغير ينظر ويزداد توجسه ويتعاظم في نفسه ..نفسه التي لايمكن وصفها بغير البريئة الصغيرة التي لايتسع حجمها لإحتواء مثل تلك التوجسات ..
وفي طريق العودة الأب لايتوقف عن سرد خارطة طريق لذلك الصبي عليه اتباعها بكل تفاصيلها من يقظة الصباح الى حلول الظلام ...لاتنس ضبط ساعة المنبه للإستيقاظ ..لما تخرج عرج على ذاك المقهى لتناول فطورك ..في حجرة الدرس ركز انتباهك مع الأستاذ ولاتغفل ولاتسرح يمينا وشمالا ..عند خروجك فليكن خطوك صوب غرفتك ..لاتهدر وقتك مع الآخرين ...لاتثق بأي غريب ..إن طلب منك أحدهم مساعدة ما فتحجج بأن الوقت في غير صالحك ..ولاتطمئن لأي كان ولو شاب شعره ولو كان يسير على قدم واحدة ..
المال موجود عند عمّك الهاشمي ..اذهب اليه كلما احتجت لذلك ولاتتحرج فإنه رجل طيب ولقد تركت عنده ما يكفي ..لاتقطع صلتك بإمام المسجد ..تذكره بالتحية على الدوام ومنزله أمامك إن اشتد عليك ما يشتد من ضيق نفس أو مرض ...كان الأب يفصح عن خارطة طريق عمر ..وعمر يكاد يجهش بالبكاء لولا طبع فيه التكتم وغصة في حلقه تمنعه حتى الرد على أبيه ...
ليعودا ادراجهما الغرفة ..ولايتوقف الأب ..لاتنس اغلاق باب الغرفة ليلا واحذر فتحها لأي كان الا لعمك علي امام المسجد ..وقد تركت لك أظرفة وطوابع بريد لمراسلة أهلك ..

 
 أديا ما عليهما من فرض الصلاة ثم تناولا شيئا من الطعام ..وهيآ نفسيهما للنوم بعد يوم حافل بكل ألوان التعب والمشقة ..وقبل أن يخلدا للنوم ..قال الأب ..اقترب مني يا عمر ..اجلسه بقربه ..أحاطه بذراعه كان قربا على نحو الإحتضان ..لم يسبق أن لقي ذلك من والده مذ فتح عينيه على الدنيا ..ولدي عمر ..لم تعد صبيا فاليوم أنت رجل وإني لعليم بأنك على صغر سنك وقد رأيته فيك ما لم أره في إخوتك عقلا راجحا وهدوءا تغار منه التلال والروابي الهاجعة في البوادي ..وصبرا مالايطيقه غير قليل من كبار الناس ..فجرا سأغادر لأعود لأمك وإخوتك ..فلا يعقل أن يطول غيابي عنهم أكثر مما طال ..كن كما عهدتك ثباتا وصبرا ..في آخر الأسبوع سأكون هنا لأصطحبك تقضي نهايته معنا ..هل تعدني بأنك ستكون على ما أوصيك به ؟
حرك الصغير رأسه ..خافضه ... موحيا لأبيه رضاه وتقبله باذلا كل جهد في سبيل كبت مشاعره المحطمة على صخرة واقع لم يكن له ذنب في صناعته ..ويخلد الإثنان للنوم وأي نوم سوف لايثنيه الخجل من أن يداعب أجفان تؤرقها الحيرة والقلق ..والقهر ...
وفي ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي يستيقظ الأب حذرا ..يحرص على تجنب اصدار أدنى صوت وهو يقرب حاجياته اليه مرتديا ثيابه ..خشية أن يتفطن الصبي لرحيله ..وهيهات ..فقد كان عمر قد قضى طول الليل أو كاد .. مستيقظا فزعا ...يترقب لحظة كانما هي لحظة إعدام لأحاسيسه كطفل.. لم يبلغ فطاما حاجته لضمة صدر أمه ودفء أسرة ....يبعث في نفسه شعورا بالأمن والطمأنينة ..هاهو الأب يتوجه نحو الباب الذي يعلم الصبي ناحيته... بفضل شعاع رفيع لضوء القمر تهادى عبر كوة صغيرة فيه ..يكاد يصرخ الطفل ..أبي لاتتركني وحدي آآآآآآآه يا أبي ..تخنقه العبرات تحبس أنفاسه فلايكتفي بذلك ليضع طرف الغطاء بين أسنانه عاضا عليه كاتما صوته يغادر الأب الغرفة وما إن يوصد الباب خلفه الا وينفجر عمر باكيا مرتجفا من هول ما لقيه لحظة رحيل آخر من كان يربطه بأسرته التي لم يسبق وأن عرف مبيتا ليلة بعيدا عنها مذ ولادته ..يبكي ولشدة لوعته يتقلب يمنة ويسرة غارقا في هستيريا لم تنتهي الا بعدما أخذ منه الإعياء والتعب كل مأخذ ليهدأ مقلبا بصره فيم حوله متمعنا السقف في حُلكة الظلام ..وكذا الجدران.. فهدأة المكان زادت مواجعه
وشعور بالإغتراب تملكه ..ولكن طفولته تسرقه من هواجسه ليعود الى أمه وإخوته سابحا فيم مضى من أيامه ..وعلى كف جميل الذكرى تهَدْهدَ الى عالم الغفوة والمنام ..ولم يستفق الا على صوت الشيخ ..عاليا في صحن المسجد أيها العُمر قم فإنه سيطلع النهار

 
 يالفضاعتها اللحظات والصوت يخترق أذنيه ..ويتذكر امه وكيف كانت تناديه وقت الإيقاظ ...فكم كان يرهقها بكسله وتأخره ..فتذهب وتعود لتحاول وتحاول لاتكل ولاتمل ولايغشى صوتها تذمر يُعليه زجرًا..آه يا أمي كيف أنا صرت ويعاوده البكاء ..فعلى دموعه نام وعليها يستيقظ ..رحماك ربي ..كم عانيت ..
صوت الشيخ ثانية ..يقفز من سريره وجلا..يتعثر في طريقه الى زر الضوء ليسقط مرتين بعد لأي ينير الغرفة ..فيجد ثيابه يرتديها عجلا ..يتوجه لميضأة المسجد يتوضأ ويصلي منفردا في غرفته ..كانت الساعة بعدها تقارب

الجزء 3 

   
صوت الشيخ ثانية ..يقفز من سريره وجلا..يتعثر في طريقه الى زر الضوء ليسقط مرتين بعد لأي ينير الغرفة ..فيجد ثيابه يرتديها عجلا ..يتوجه لميضأة المسجد يتوضأ ويصلي منفردا في غرفته ..كانت الساعة بعدها تقارب السابعة والنصف صباحا.. لم يعد من الوقت ما يكفي .يخرج مسرعا حاملا أغراضه وفي طريقه الى المتوسطة يتوقف بالمقهى يكتفي بهلالية وكأس حليب على عجل يتناولهما كان يتحاشى نظرات تحدق به من هنا وهناك ..كان يرى ذلك حتى من دون ان يلتفت ...بعض السرور ينتابه مساحا شيئا من حزن خيّم على نفسه ..ولِم لا وهو ستكتحل عينيه برؤية زملاء الدراسة يشتم فيهم رائحة البلاد ..وصل وكان متأخرا فلم يجد أحدا كما توقع فيوجهه المراقب لقاعة الدرس ولجها يأخذ مقعدا في المؤخرة الهدوء يخيم ..ينظر في كل ناحية يحاول التعرف على اصدقائه ..عرف بعضهم ..الأستاذ يشرح الدرس ..لم يكن يجد القدرة على المتابعة .سوى التفكير في أحمد ترى أين يقيم ..وسليم ..وقدور هل هم مثله هل يسكنون فندق أم هناك عائلة تأويهم ..كل ذلك يدور بمخيلته ليعود من وقت الى آخر يتذكر أمه تراها ماذا تفعل الآن هل هي كعادتها الضحى تمضخ الحليب ..
أو ترتب البيت بعدما تركه سكانه لكل شانه ..ذهب في كل صوب سابحا في خياله ..الى ان اعلن الجرس ..ساعة المغادرة .ليهرع لأصدقائه يحضن هذا يسلم على ذاك يكاد يطير فرحا بلقائهم ..مر اليوم عليه بأطيب مالم يكن يتصوره لكنه وبحلو المساء مع آخر حصة عاودته الهواجس بجحافلها.. ليل ينتظره وكأنه الوحش يترقب ابتلاعه ...أوصاه والده أن يكون تواجده بالغرفة قبيل المغرب ببعيد...يدخل صحن المسجد محملا يمينه خبزا لعشائه وحين عبوره الصحن الى الغرفة حانت منهالتفاتة الى يمنيه ليرى في زاوية تكاد تقابل باب غرفته تابوتين أحدهما بني اللون والآخر بلون أخضر ..شعر رجفة تسري ببدنه ..اشاح بوجهه لهول ما رأى يسرع الى الغرفة لشدة فزعه ارتبك وهو يحاول فتح قفل بابها ليهرع الى الداخل موصدا الباب بعنف لم يتعمده ..ومنظر التابوتين لايفارق موضعا يقع عليه بصره . ..هاجس جديد الموت خارج الغرفة...هكذا ..أهذا ماكان ينقصه الصغير ..

 
 يارب ارحم ..جلس على السرير ورغم مايشعره كم ارهاق لم يجد متعة في الإستلقاء فانكمش و رأسه ملاصقة ركبتيه ليقضي ماشاء الله من الوقت يبكي تارة ويحدث نفسه أخرى بأن مارآه سوى أداة من خشب.قد يحتاجها ا الناس يوما لنقل الموتى ..ولكن كان هناك ميت وميت وميت تم حمله على ذلك التابوت ربما بالأمس وربما ..ويقولون أن الموتى يعودون ووو صراع نشب داخل رأسه الصغيرة ولم ينتبه الا والعِشاء يؤذن للصلاة ..قام ليصلي المغرب والعشاء جمعا ..
ثم يتناول بعض ما تركه أبوه طعاما ..ولم يطل به الأمر ليكون قد تهيأ خلوده للنوم بعدما اطفأ المصباح ..وفي ظلمة الليل الحالكة ..وبكل صفاء يتجلى أمامه منظر ذلك التابوتين ..أغمض عينيه ضاغطا عليهما بكلتا يديه ..وعبثا يفعل ..اشتد عليه الأمر ..فأجهش بالبكاء ولم تسعفه دموعه بل زادت مرآهما نقاء ..واسعفته بادرة الى ذهنه أن يشعل المصباح ففعل ..شعر الإرتياح بعدما تلاشى من أمام عينيه ذلك المشهد الرهيب ..كان يحدق في السقف والجدران وماحوله من مكونات الغرفة ..محاولا نسيان هول ما يوجد خارج الغرفة ...لينام وضوء الغرفة مشتعلا ..
في اليوم التالي قضى صبيحته كسابقه..يعود مساء لغرفته لاأثر معه لدرس تلقاه أو حكاية سمعها غير حزن يثقل تفكيره لصعوبة ما يلاقيه من فراق أهله ...بعد صلاة المغرب يدق الشيخ باب الغرفة مستأذنا فيدخل ملقيا السلام على الطفل الصغير سائله عن حاله ودرسته والصبي يوجب إماء أكثر منه كلاما ..حياء... ليطول الحديث آخذا وُجهة تفطن الصبي بنباهته
منتهاها...ليطرق الشيخ استغرابه من شأن ضوء الغرفة مضيئا طوال ليلة البارحة ويضيغ يا عمر يا ولدي لم يكن عليك تركه مشعولا ..فأنت لابد وأنك لاتعلم أن لصوص الليل يستهويهم ولوج الأمكنة المُضاءة ليلا ..
وعليه فلتحرص على اطفاء النور قبل نومك بارك الله فيك ..كانت آخر كلماته ترافق خطواته نحو الباب مغادرا ليترك الصبي يرتعش خوفا كالطائر المذبوح ...ليقتحم مسرح خوفه هاجس آخر اللصوص ..فمجرد سماع اللفظة يهز أوصاله ..هاهو يغمض عينيه لم تعد لديه طاقة ليفكر ماذا يفعل يشعر أنه مُحاصر بما يوجد قبالة الغرفة أين يهجع ذينك التابوتين في صمت فتهديد زوار الليل .وحرمانه إضاءة الغرفة ..يخرجه من كل ذلك صوت أذان العِشاء ..لم يصل المغرب عليه أن يتوضأ كيف يجرؤ مغادرة الغرفة ينهض من مكانه يقلب في ركام اغراض على ارضيتها ليجد قطعة من حجر يتيمم ويصلي المغرب والعشاء ..تعود تناول عشاءه في ذلك الوقت لكنه فقد الشعور بالحاجة للأكل لما استجد.. يتوجه نحو باب الغرفة يجر مكتبا كان هناك لم يستطع يحالو دفعه كم هو ثقيل يثابر على ذلك يزحزحه شبرا شبرا الى أن يوصله لغاية الباب من أجل تحصينه ..يتثبت من أن النافذة مغلقة بإحكام ..

يتوجه نحو باب الغرفة يجر مكتبا كان هناك... لم يستطع يحاول دفعه كم هو ثقيل ..يثابر على ذلك يزحزحه شبرا شبرا الى أن يوصله لغاية الباب من أجل تحصينه ..يتثبت من أن النافذة مغلقة بإحكام ..
المصباح مشتعل يشعره بالأمان الضوء لكن عليه أن يطفئه لأنه سيجلب أنظار لصوص المنازل ليلا..لم يتوقف عن محادثة نفسه ماذا أفعل علي اطفاء النور.. لكن لمّا أطفئ النور فإن منظر التابوتين سيملأ الغرفة..سأراهما على السقف على الجدران ...سوف يلاحقان نظري حتى ولو أغمضت عينيّ ..ليس للخلاص من ذلك غير اضاءة المصباح واللصوص.. من يمنعهم القدوم حتى ولو كان المصباح منطفئا ؟؟
هل يخاف اللصوص ؟؟ أليسوا هم كالأشباح ينامون في النهار ويستيقظون في الليل .؟
لربما الشيخ علي اراد طمأنتي فقط ..حين قال أنهم يأتون لما يرون المصباح مشتعلا ..كان الصبي يذهب ويجيء ولايتوقف عن محادثة النفس ..راودته فكرة نعم لم لايجرب الإختباء ؟؟ نعم الإختباء... حتى ولو جاء اللصوص فلن يجدوه ..إنه الإختباء تحت السرير .هو ذلك ما سأفعله ..

 
 يسحب البطانية ويدفعها تحت السرير ثم الغطاء ومخدته..كان بحاجة لقضاء حاجته ..قبل النوم لكن كيف يفعل فلقد أرهبه التواجد خارج الغرفة ..ثم أن المسافة بين باب الغرفة والميضأة طويلة نوعا ما.. فهل سيمكنه تجاهل مرأى التابوتين . وهو يعبر تلك المسافة ؟؟ .لم يجد سوى الإستعانة بكيس كان قد أفرعه من محتوياته .. ..ثم يتوجه للمصباح بيد مرتجفه ..مترددة.. فيضغط... ليعود أدراجه صوب مهجعه أسفل السرير متعثرا ..وماكاد يصل حتى اندس تحت الغطاء ليخلد الى مايشبه النوم...تعب النهار . لم يشفع له في أن يداعب اجفانه ..وكيف له أمام ما ينتظره من خوف وهواجس ..وأحلام يقظة مزعجة ..
قضى الصغير أياما طالت لتتجاوز الشهر على هذا الحال فينحل منه الجسد .. وتعلو وجهه صفرة وشحوب .أخذت كثيرا من وسامة حباه الله بها كانت تمثل هاجسا لأمه أن يلحقه من ورائها عين حاسد ..
مرّت عليه أيام فقد الصبي فيها الشعور بأن هناك شيء اسمه دفء الأسرة ..حنو الأم ...النوم قرير العين... مشاكسة الإخوة في البيت .. أيام أنسته أنه ليس عليه أن يرتب اغراضه وفراشه بعد استيقاظه صُبحا ...وأنه ليس عليه الإنشغال بأمر غدائه كيف يتدبره أو عشائه ..أيام مريرة مؤلمة أنسته أنه بإمكانه اليقظة في أية ساعة من الليل لحاجته ..دونما أن يتواجد في موضع سقفه السماء فضلا عن لسعة البرد وصفعة الرياح لخديه الورديتين ..
أيام كانت لطفل لم يكمل الثانية عشر من عمره لتجعله طفلا ليس كغيره من الأطفال.. الصمت والوجوم صارا ملازماه ..أينما حل ..ولم يكن خافٍ على أحد نظرة حزن دفين باتت لاتفارق عينيه ..سحب معه الصبي عمر كل ذلك في جعبة الذاكرة ...ليسري ويتواصل غير منقطع عبر انتقاله من مرحلة الى أخرى من مراحله العمرية ....حيث القى ذلك بظلاله على كثير من سلوكاته وانفعالاته وتعاطيه مع ما يجري من حوله الى أن يذهب ذلك رفيقا له غاية سرد ماحدث معه... يؤلمه مرأى لكبير يؤذي صغيرا ...لايطيق رؤية صبي يبكي ...وقد تخونه العبرات لمرأى طقل يتألم أو يكابد الخوف والفزع ..
هكذا كانت طفولته
ورغم اختلاف الزمان والمكان الا أن جروحا عميقة خُطت على صفحة براءته ...لم تبرح موقعها في وجدانه وأحاسيه ..أشكر طيب متابعتكم وإصغائكم ..هي آخر كلمات خاتمة لأجزاء ثلاث لقصة الصغير عمر













أخوكم...عُمر..

قديم 2015-02-27, 22:16 
http://www.djelfa.info/vb/showthread.php?t=1764518